بنود الموقع
عضوية الموقع

احصائيات الموقع

عدد الزوار   
636
عدد الصفحات   
52
عدد الزيارات   
155170


جديد الموقع: الفاضحة !!
جديد الموقع: عجبا رأيت !!
جديد الموقع: سَذاجَةُ فراشَة
جديد الموقع: عبرة لأولي النُّهى

تداعت عليكم الأمم

المسلمون في قبرص

.
نشر بتاريخ الأحد, 24 شباط/فبراير 2013 02:36

 

قبرص ثالثة كبريات جزر البحر الأبيض المتوسط، توجد في جزئه الشرقي وتبعد عن الساحل السوري 90 كم، وعن الساحل التركي 65 كم، وعن الساحل المصري 400 كم، وعن الساحل اليوناني 900 كم، كما يبلغ أقصى طول لها 235 كم، وأقصى عرض لها 90 كم، ومساحتها 9251 كم2 (2).

 

بلغ عدد سكانها عام 1407 هـ حوالي 750000 نسمة منهم 175000 من المسلمين الأتراك، والباقي من النصارى اليونانيين ومن جنسيات مختلفة.

ويعتبر النحاس من أهم معادنها، حتى ليقال إن كلمة قبرص تقابل  Copper  أي النحاس. وتزرع الحبوب والحمضيات والعنب والزيتون والبطاطا والتبغ. وتشتهر بالحمير من بين الحيوانات، وتشكل الغابات 20 % من مساحة البلاد (1).

موقعها إستراتيجي، تصلح نقطة انطلاق إلى الغرب أو إلى الشرق، ولذلك فكلا المعسكرين الشيوعي والرأسمالي يحاول أن يكون له فيها قواعد عسكرية. وقد تعاقب عليها عدد من الفاتحين بحكم موقعها هذا، وعندما ظهر الإسلام كانت بيد الدولة البيزنطية منذ عام 359 م. وكانت النصرانية قد أخذت طريقها إليها حوالي عام 48 م على يد بولس (2).

دخول الإسلام:

فتح المسلمون ديار الشام، وأصبحت قاعدة من قواعد الإسلام، وولي عليها معاوية بن أبي سفيان الذي تابع الفتوحات الإسلامية في بلاد الروم، ورأى أن يستولي على القواعد الهامة ليتمكن من منازلة الروم، وليحول دون استخدامها ضد المسلمين، وكان أهم هذه القواعد - قبرص - التي كان العدو يغير منها على الثغور الإسلامية، فاستنفر معاوية العمال، ومن كان لهم خبرات في صناعة السفن وحشدهم في عكا، ورمم الحصن والمرفأ وجعله دارا لصناعة السفن وتجهيز الأسطول الإسلامي وإعداده؟ كما رمم مدينة صور وشحنها بالمقاتلة (1)، واستأذن عثمان بن عفان رضي الله عنه في غزو قبرص، فأذن له بشرط أن لا يحمل الناس كرها على ركوب البحر - فتكون الخدمة البحرية عن طريق التطوع - وأن يصطحب معه زوجته وكان المسلمون يفعلون ذلك في حروبهم لإظهار النكاية بالعدو والعزم على بلوغ النصر، فعين معاوية لقيادة القوة البحرية عبد الله بن قيس الحاثي حليف بني فزارة وكان من رجال البحر المعروفين غزا خمسين غزوة لم يغرق من جيشه أحد، ولم ينكب.

 

ركب معاوية البحر بألف وسبعمائة سفينة ومعه زوجته وعدد من الصحابة فيهم أبو ذر والمقداد بن الأسود وأبو الدرداء وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، ففتح المسلمون قبرص عام 28 هـ صلحا (2)، واستخدمت كقاعدة إنذار للمسلمين من حيث يجب على أهلها (بموجب المعاهدة) إخبار المسلمين عن التحركات المعادية مع استخدام الجزيرة كقاعدة لدعم البحرية الإسلامية (3)

ولما خرج المسلمون من الجزيرة ماتت أم حرام هناك وقبرها لا يزال وكأنه يقول للمسلمين اليوم. . إن هذه الأرض قد أريقت عليها دماء الصحابة فانتبهوا إليها، ولا تضيعوها ولا تتولوا أعداء الله (1).

ونقض أهل قبرص العهد عام 33 هـ / 653 م، فوجه معاوية قوة مكونة من 500 مركب، وحاصرها وفتحها عنوة. ونقل إليها جيشا من اثني عشر ألفا من المسلمين لحمايتها فأقام هذا الجيش وعمر المساجد وبنى الحصون وأقام المراصد، وأصبحت جزءا من ديار الإسلام.

واتصل أهل قبرص النصارى بالروم عام 125 هـ، فجهز الوليد بن يزيد جيشا قبيادة أخيه الغمر بن يزيد بن عبد الملك، وعين الأسود بن بلال المحاربي أميرا على البحر، وأعادت الجيوش الإسلامية فتح الجزيرة، وخيروا أهلها بين المسير إلى الشام أو الإلتحاق ببلاد الروم، فاختار جمع كبير من أهلها الذهاب إلى بلاد الشام. وأقامت قوات عربية إسلامية في الجزيرة حيث بقيت درع الدفاع عن بلاد المسلمين في الشام ومصر، حتى إذا ما بدأ الضعف يتسرب للدولة الإسلامية زمن البويهيين (334 - 447 هـ)، كان أول عمل قام به نقفور ملك القسطنطينية أن أرسل حملة أعادت السيطرة البيزنطية على الجزيرة عام 354 هـ / 965 م، فأصبحت سندا للصليبيين فكانت المؤن تصل إلى ميناء السويدية ومعظمها من قبرص. واتخذت بحرية البيرنطيين منها قاعدة أثناء الحملات الصليبية.

واحتلها (ريتشارد) قلب الأسد عام (587 هـ / 1191 م)، واتخذها قاعدة لحملته الصليبية على عكا، وباعها إلى إحدى الطوائف الدينية فرسان الداوية - الذين باعوها بدورهم للملك (غاي) سنة 588 هـ / 1192 م. وأصبحت مملكة عام 595 هـ / 1198 م، وانتابتها الصراعات الدموية والإضطرابات الكثيرة، وأخذت القبضات القوية تتناوب السيطرة عليها. ولكنها على الإجمال بقيت قاعدة صليبية متقدمة لمهاجمة المسلمين، وهاجر إليها كثير من الصليبيين وبقي المارون فيها إلى اليوم، فكانت قاعدة الملك لويس التاسع في حملته على مصر حيث أقام بها سنة كاملة سنة 646 هـ / 1248 م قبل أن يتوجه إلى مصر، وكان ملك قبرص الموجه للتعاون مع التتار (المغول) للقضاء على المسلمين.

وعندما تم تحرير عكا سنة 690 هـ / 1291 م على يد الأشرف خليل بن قلاوون، بقيت قبرص الحكومة النصرانية الوحيدة التي تابعت الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي، فأصبحت مقر أعمال القرصنة الصليبية ضد البلاد الإسلامية، ولذلك صمم الملك الأشرف على تحريرها وأمر بعمارة مائة سفينة وكان يهتف دائما - قبرص - قبرص - قبرص (1). غير أن تهديدات المغول عاقته عن تنفيذ أهدافه. كما هاجمها السلطان المملوكي برسباي بثلاث حملات، حيث أسر المسلمون ملكها في الحملة الثالثة عام 830 هـ / 1426 م، الذي رحل إلى القاهرة مع كثير من الأسرى، وأحضر لمقابلة السلطان برسباي بحضور ممثلين عن الدولة العثمانية وشريف مكة وملك تونس وممثلي القبائل العربية، وأقيمت إحتقالات رائعة بالقاهرة ابتهاجا بهذا النصر. فأصبحت قبرص تحت حماية مصر وتدفع لها الجزية إلى أن احتلها البنادقة عام 895 هـ / 1489 م (2).

ظهرت الدولة العثمانية وأخذ الأتراك العثمانيون على عاتقهم حماية العالم الإسلامي، وتولوا قيادة الجهاد ضد الصليبيين، ونقلوا الصراع من آسيا إلى أوربا، واحتفظت قبرص بأهميتها كقاعدة متقدمة للصليبيين بالرغم من انتقال مسارح العمليات وتحرك مراكز ثقل القتال، واستخدمها البنادقة قاعدة للعدوان على المسلمين، فتوجهت لها همة العثمانيين ففتحوها عام 979 هـ / 1571 م، ولاحقوا البنادقة فأخرجوهم من كريت عام 1080 هـ / 1669 م. وبهذا يكون خروج البنادقة من قبرص نهاية الحروب الصليبية في المشرق حقيقة فخلت ديار الإسلام من كل أثر صليبي (1) وعادت قبرص إلى دار الإسلام.

بقى العثمانيون في قبرص ثلاثة قرون تقريبا، عملوا من بدايتها على توطيد دعائم الإسلام في الجزيرة، فقد أسكنها السلطان سليم الثاني حامية عثمانية منذ أن فتحها. وقام فيها الدعاة، فأصبح المسلمون ثلاثة أمثال النصارى عام 1205 هـ / 1790 م، فأصبحت قبرص بلادا إسلامية وجزءا من ديار الإسلام بأرضها وأهلها، وشهدت الأمن والرفاه في ظل وضعها الطبيعي ضمن دار الإسلام. وتمتع النصارى بالأمن وأعاد العثمانيون للكنيسة الأرثوذكسية نفوذها (2).

قبرص في ظل الإحتلال البريطاني:

ضعفت الدولة العثمانية، وطمعت الدول في تخطف أطرافها والإستيلاء على أجزائها، فكانت الحروب لا تفتر بينها وبين جيرانها من روسيا والنمسا، وكانت كل من بريطانيا وفرنسا تدعي أحيانا مناصرتها وتقف في وجه الروس، وأحيانا تعلن عليها الحرب لتسلخ جزءا من أرضها. و كانت سياسة بريطانيا تنصب على الحفاظ على الهند (درة التاج البريطاني) فعمل دزرائيلي رئسي وزراء إنكلترا اليهودي على فرض معاهدة على الدولة العثمانية عام 1296 هـ / 1878 م، باسم: التحالف الدفاعي، قبلت فيه الدولة العثمانية الإحتلال البريطاني لقبرص، مقابل ضمان بريطانيا الدفاع عن الممتلكات العثمانية في آسيا ضد روسيا، كما تعهدت بريطانيا بدفع مبلع 92800 جنيه سنويا وهو ما يفيض عن ميزانية قبرص. وادعت أن الإحتلال مؤقت ريثما تعيد روسيا للعثمانيين المناطق التي احتلتها وهي أقاليم قارص، وباطوم، وأردهان. وفي الوقت نفسه إتفقت بريطانيا مع فرنسا أن - تطلق يد فرنسا في تونس التي كانت تسعى لاحتلالها، ومع روسيا على أن تحتفظ بالمناطق التي احتلتها، وتوجت تلك الإتفاقيات بعقد مؤتمر برلين عام 1296 هـ / 1878 م ليعطي الصفة الدولية والقانونية لهذه الإتفاقيات الجانبية والسرية (1). وكانت بريطانيا تهدف إلى اتخاذ قبرص قاعدة للعدوان على المسلمين.

كان أكثر سكان قبرص من المسلمين فعملت بريطانيا على إضعافهم بتشجيع هجرة النصارى من بلاد اليونان إلى الجزيرة. وفي الوقت نفسه ضيقت على الأتراك المسلمين في سبيل تخليهم عنها والهجرة منها فانخفضت نسبة المسلمين وارتفعت نسبة النصارى تدريجيا. ففي عام 1890 م كان عدد سكان الجزيرة 80000 نسمة، 60 ألفا من المسلمين (2)، و20 ألفا من النصارى.

وفي عام 1333 هـ / 1914 م عند اندلاع الحرب العالمية الأولى أنهت بريطانيا تبعية الجزيرة الأسمية لتركيا، وألحقتها بالتاج البريطاني، وعرضت على اليونان أن تضمها إليها مقابل دخولها مع الحلفاء في الحرب ضد ألمانيا، ومنذ ذلك الوقت والقبارصة اليونانيون الدخلاء الذين غدوا أكثرية في عهد السيطرة الإنجليزية يطالبون باستقلال الجزيرة وإلحاقها بالأرض اليونانية. حيث بلغ عدد النصارى أكثرب من 529000 نسمة بينما وصل عدد المسلمين 120000 نسمة فقط عند الاستقلال.

تنازلت تركيا عن الجزيرة رسميا في معاهدة لوزان عام 1344 هـ / 1923 م فعينت بريطانيا معتمدا عنها، وأنشأ الحاكم العام الإنجليزي لجنة تنفيذية تضم سبعة من الإنجليز. ومجلسا تشريعيا يضم أربعة وعشرين عضوا ينتخب خمسة عشر عضوا منهم اثنا عشر من القبارصة اليونانيين وثلاثة أعضاء من المسلمين فقط، ويعين الباقون (1).

وتكونت حركة إينوسيس (2)  Enosis -  الإتحاد مع اليونان - التي تمثل اليونانيين وعلى رأسها أساقفة قبرص جميعا. فوقعت أحداث دامية عام 1349 هـ / 1930 م ذهب ضحيتها مئات السكان من المسلمين والنصارى. فأنشأت بريطانيا مجلسا تشريعيا ضم الذين يتعاونون معها وينفذون سياستها، فعم الرخاء وأصبحت قاعدة تجارية مارس اليهود فيها دورا كبيرا (3).

واتخذت قبرص قاعدة حربية للحلفاء عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1358 هـ / 1939 م، وجعل الإنجليز منها قاعدة تجارية لنشاط اليهود لنشر الفساد والتأثير على العقيدة الإسلامية. كما جعلوها مركزا لتهريب البضائع بعد المقاطعة العربية للبضائع اليهودية ومقرا لعصابات الصهاينة. كما شجع تشرشل عام 1362 هـ / 1943 م الأحزاب السياسية كحزب الوطنيين وحزب المزارعين وحزب الاشتراكيين بالإضافة إلى الحزب الشيوعي (أكيل) الذي يخضع للحزب الشيوعي اليوناني الذي يسير حسب نهج موسكو، وقد نشط هذا الحزب كثيرا في قبرص.

ولما انتهت الحرب العالمية الثانية ذهب وفد قبرص للمطالبة بحق تقرير المصير لقبرص عام 1366 هـ / 1946 م. وبرز على المسرح السياسي المطران مكاريوس الذي اتنخب رئيسا لأساقفة قبرص عام 1947 م ودعا إلى وحدة الجزيرة (1).

تبنت اليونان قضية قبرص وحاولت مع مكاريوس عرضها على هيئة الأمم المتحدة عام 1370 هـ / 1950 م، ونجحت في عرضها عام 1374 هـ / 1954 م، ولم تكن النتيجة مرضية لليونان، كما فشل المؤتمر الثلاثي في لندن عام 1375 هـ / 1955 م في التوصل إلى نتيجة ترضى عنها الأطراف المعنية جميعها (2).

تدفقت الأسلحة على القبارصة اليونانيين من اليونان بشكل واسع، فكثرت الإضطرابات وأعمال العنف، وتكون من المتطرفين في حركة أنوسيس منظمة (أيوكا) أي الجبهة الوطنية لتحرير قبرص بزعامة الجنرال (غريفاس) اليوناني سنة 1956 م. ومارست هذه المنظمة أعمال العنف على نطاق واسع ضد المسلمين بشكل خاص، واضطرت انكلترا إلى جلب إمدادات عسكرية من انكلترا نفسها ومن ليبيا ومالطة. وقامت مظاهرات في تركية ضد اليونان كما قامت مظاهرات في اليونان ضد تركية اتسمت كلها بالعنف، وقاطعت اليونان المجلس العسكري لحلف البلقان المنعقد في أنقرة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الذي عقد في استنبول. وهددت الغرب بالوقوف على الحياد في سبيل كسب تأييد الغرب لها ضد انكلترا. فأهتمت أمريكا بالأمر وقامت انكلترا بدورها بنفي المطران (مكاريوس) وثلاثة من أعوانه إلى جزيرة سيشل عام 1376 هـ / 1956 م بغية تسليط الأضواء على هذه الشخصيات لتسلمهم حكم الجزيرة في المستقبل لينفذوا سياستها (1). واتخذت بريطانيا منها قاعدة للقوات البريطانية والفرنسية التي نزلت في قناة السويس في العام نفسه 1376 هـ. كما سمحت للمطران مكاريوس بالعيش في أثينا بدلا من المنفى ليكون قريبا من أحداث الجزيرة ومن (غريفاس) الذي فر من قبرص إلى اليونان.

واشتدت أعمال العنف وكان المسلمون يخشون على أنفسهم من الإنضمام إلى اليونان لأن في ذلك ذهاب كيانهم وأن مصيرهم سيكون مصير 89 ألف تركي مسلم كانوا في جزيرة كريت عندما انضمت إلى اليونان بعد أن خرج منها العثمانيون عام 1316 هـ / 1898 م حيث أجبر قسم كبير منهم على الهجرة وترك الوطن والأملاك، واختفى الباقون تحت ظل الحكم اليوناني (1). لذلك شدت تركيا أزر القبارصة الأتراك وطالبت باستقلال الجزيرة بحيث يتمتع المسلمون بحكم ذاتي، أو التقسيم بين الأتراك واليونانيين، إذا كان اليونانيون يصرون على الإلتحاق باليونان. وطالبت اليونان بدورها بالإستفتاء.

ومن العجيب أن معظم الدول العربية والإسلامية أيدت اليونان ضد تركيا، ودعمت موقف مكاريوس على أساس أن القضية عنصرية لا دينية بين تركيا واليونان. بل وصل متطوعون مسلمون يقتلون إخوانهم (2).

وفي عام 1378 هـ / 1958 م اقترحت بريطانيا خطة السنوات السبع وتقضي ألا يتغير وضع الجزيرة مدة سبع سنوات. ويقام أثناء هذه المدة مجلسان منفصلان أحدهما للأتراك والآخر لليونانيين هذا في الحكم الذاتي، أما الإدارة المحلية فمسئول عنها مجلس الحاكم العام ويضم ممثلين عن الحكومة التركية واليونانية إلى جانب أعضاء المجلسين (3).

وقد رفضت الخطة من جميع الأطراف واشتعلت الفتنة حتى عام 1379 هـ / 1959 م. وهذا أسلوب بريطانيا في صنع المشكلات.

الاستقلال عام 1379 هـ / 1960 م:

سلطت بريطانيا على مكاريوس الأضواء ورفعته إلى مستوى الأبطال وعملت على تسليمه الحكم، فقبل مكاريوس الإقتراح الإنجليزي بعد أن تظاهر بمحاربته مدة، ووافق على استقلال الجزيرة بعد مدة من الحكم الإنتقالي. واستطاعت بريطانيا أن تجمع عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا وكرامنليس رئيس وزراء اليونان والمطران مكاريوس وفاضل كوتشوك ممثلين عن القبارصة اليونانيين والأتراك سنة 1379 هـ / 1959 م. واتفقت على أن تكون قبرص جمهورية مستقلة. يكون رئيسها من الجالية اليونانية ونائبه من الجالية التركية وينتخبان لمدة خمس سنوات، وللاثنين فقط حق الرفض. لأي قانون (1). ويتكون مجلس الوزراء من عشرة أعضاء سبعة من اليونانيين وثلاثة من الأتراك وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة، ويجب أن يعهد إلى وزير تركي بإحدى وزارات الدفاع أو المالية أو الخارجية. وأما مجلس النواب فينتخب لمدة خمسة أعوام بحيث يمثل اليونانيين 70 % من المجلس. وتكون القرارات بالأغلبية المطلقة أما التعديل فبأغلبية الثلثين. وأما الجيش فيتكون من 20 ألف جندي 60 % من اليونانيين. وقوات الأمن الداخلي 70 % من اليونانيين. ويقوم تحالف عسكري بين قبرص وتركيا واليونان (2).

وتستبعد فكرة إتحاد قبرص مع أية دولة أخرى كليا أو جزئيا، وتستبعد فكرة تقسيمها وتحتفظ إنكلترا بقاعدتين عسكريتين في جنوب الجزيرة وتستمتر باستعمال المواقع الحربية القائمة في الجزيرة والطرق والموانيء. كما تستمر قبرص بتقديم التسهيلات لبريطانيا في ميناء فاماغوستا، والطيران فوق قبرص، دون قيد، واستعمال مطار نيقوسيا في زمن السلم والحرب. وذلك كله بموجب معاهدتي زيوريخ ولندن.

فدخل مكاريوس قبرص، وجمعت الأسلحة من منظمة أيوكا ووافق الجنرال غريفاس على الإتفاق، وغادر قبرص إلى أثينا وكان قد دخلها سرا. وتشكلت أول وزارة قبرصية وأصبح مكاريوس رئيسا للجمهورية وفاضل كوتشوك نائبا للرئيس. وأعلن الإستقلال عام 1960 م بمعاهدة بين تركيا واليونان، وقامت الدولة على أساس ديني فعلا وديمقراطي شكلا، وساندتها اليونان واسرائيل، وتملك إسرائيل أكبر سفارة في الجزيرة (1). وكانت نسبة الأديان 79 % نصارى، و19,1 % مسلمون، و1,9 % يهود (2). وانضمت عام 1196 م إلى رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث) (3).

قبرص بعد الاستقلال:

أصبح الجنرال غريفاس رئيسا لما سمي بالحرس الوطني، فبدأ يتصرف بالأمن، مما جعل الأتراك يتصلبون في مواقفهم وحدث الصدام والخلاف فتفرد اليونانيون بالحكم، وقامت معارك دامية عام 1383 هـ / 1963 م، وحاولت تركيا التدخل عام 1964 م على عهد عصمت إينونو، إلا أن الرئيس الأمريكي (جونسون) بعث له برسالة بالغة التهديد، حذره من التدخل في الجزيرة، وأكد له فيها عدم استخدام أسلحة حلف الأطلسي في ذلك (4)!!

وتدخلت الأمم المتحدة، وأرسلت قوات للمحافظة على السلام بدلا من القوات الإنجليزية عام 1384 هـ / 1964 م (5). وفي عام 1385 هـ هاجمت الحكومة القبرصية الأحياء الإسلامية فقتلت وفتكت بالمسلمين بأبشع الوسائل باسم القبارصة اليونانيين، وقصفت الطائرات الحكومبة المساجد والبيوت الإسلامية.

وتجددت الأحداث الدموية عام 1387 هـ / 1967 م، حيث تحركت مجموعات من الحرس الوطني التي تأتمر بامرة الجنرال غريفاس بالهجوم على الأحياء والقرى المسلمة، وازدادت القوات اليونانية ازديادا كبيرا حتى بلغ عددها 16 ألف جندي. فطالبت تركيا بسحب هذه القوات وطرد غريفاس وحل الحرس الوطني، واستمرت المفاوضات بين أخذ ورد، وأخذت الأصابع الشيوعية والأمريكية تلعب دورها في الجزيرة، فنشط الحزب أكيل (الحزب التقدمي للشعب العامل) ومنظمة أيوكا وقائد الحرس الوطني. وهذا ما دعا المطران مكاريوس إلى شراء صفقة من الأسلحة من تشيكوسلوفاكيا لإظهار التوازن بين المعسكرين، فسخطت عليه اليونان وطلبت منه: تسليم الأسلحة التي استوردها إلى جنود الأمم المتحدة واشتراك أنصار غريفاس في حكومة اتحاد وطني، واعترافه بأن اليونان هي المركز السياسي الوطني للشئون القبرصية.

وفي عام 1392 هـ / 1972 م فصل (سبيروس كبريانو) وزير خارجية قبرص (من القبارصة الأتراك) بعد أن مارست اليونان الضغط على مكاريوس. كما نشطت حملات غريفاس ضد مكاريوس وأثار حملة واسعة لتشويه سمعة العرب بأن مراكز بعثاتهم تحت تصرفات الفدائيين، وأن السفارات العربية تسلح جماعات لإحداث عمليات الإرهاب في الجزيرة، والغاية من كل ذلك إجبار السكان لمساندة إسرائيل، فلفتت البعثات العربية نظر حكوماتها إلى هذا الأمر واقترح السفراء العرب في قبرص على البلاد العربية (1):

1 - زيادة عدد السفارات في قبرص ليزداد حجم الوجود العربي حيث لا يوجد في قبرص سوى ثلاث سفارات عربية.

2 - التواجد العلمي والثقافي والرياضي المستمر.

3 - زيادة التبادل الإقتصادي ودعم العلاقات بحيث تصبح أكثر متانة.

4 - دعم جمعية الصداقة العربية القبرصية.

وفي عام 1394 هـ / 1974 م وقع انقلاب على المطران مكاريوس وتسلم الحكم (غلافكوس غلاريدس) لضم قبرص إلى اليونان، وفر مكاريوس بأن أقلته طائرة خاصة من إحدى القواعد البريطانية إلى مالطة، فانجلترا، فالولايات المتحدة، بعد أن أذاعت قبرص نبأ موته (1)، واستنفرت كل من تركيا واليونان قواتهما، وأنزلت القوات التركية في قبرص واستطاعت أن تحتل ميناء فاماغوستا، وتابعت سيرها إلى الغرب حتى مدينة مورفو، فاحتلت 38 % من مساحة الجزيرة وهي المناطق التي يكثر فيها المسلمون الأتراك وتوقف إطلاق النار بتهديد من الولايات المتحدة وخاصة بعد أن رأت تفوق الجيش التركي على اليوناني، وبعد مناورات عديدة استطاع المطران مكاريوس أن يعود إلى مركزه الأول في قبرص حتى وفاته سنة 1398 هـ (2). وحصل تبادل للسكان بين الشطرين اليوناني والتركي. وكعادة الدول الكبرى في معاداة المسلمين ولو كانوا يسيرون في ركابها، وقفت الولايات المتحدة ومعها الدول الأوروبية إلى جانب اليونان في الأزمة القبرصية ضد تركيا، وفرض الكونجرس الأمريكي حظر الأسلحة على تركيا منذ عام 1975 م لإرغامها على الإنسحاب من الجزيرة (3).

وتشكلت الجمهورية القبرصية الفيدرالية سنة 1395 هـ / 1975 م، واعترف مؤتمر وزراء خارجية العالم الإسلامي بها سنة 1397 هـ، وأكد المؤتمر تأييده لاتحاد المنطقتين التركية واليونانية في اتحاد فدرالي حرصا على وحدة الجزيرة القبرصية.

وفي عام 1400 هـ عقد المؤتمر الإسلامي العالمي الثامن (غير رسمي) في الدولة الإتحادية القبرصية التركية، وحضره ممثلون من 49 بلدا إسلاميا، وحضره عدد كبير من الهيئات والمنظمات الإسلامية ومن الدول الإسلامية ومن الأقليات المسلمة. وأُلقى السيد رؤوف دنكتاش رئيس الدولة كلمة عبر فيها عن وضع المسلمين بقبرص. وأصدر المؤتمر عدة قرارات بشأن القضايا الإسلامية ومشاكل الأقليات المسلمة (1).

وأصبحت القضية القبرصية من القضايا الإسلامية الهامة، لهذا جاء بيان رابطة العالم الإسلامي المقدم إلى مؤتمر القمة الإسلامي الثالث بمكة المكرمة:

" إن التطورات الأخيرة التي توالت عليها بعد اتفاق فبراير سنة 1977 م تجعل رابطة العالم الإسلامي تتابع القضية بقلق بالغ وتستنكر كل محاولة لتغيير نصوص الإتفاق السابق، وتأمل الرابطة من أن تعيد الحكومات الإسلامية النظر في علاقاتها بقبرص بما يضمن تحقيق أهداف المسلمين بها " (2).

وفي عام 1405 هـ / 1984 م أعلن السيد رؤوف دنكتاش استقلال الأتراك في شمال الجزيرة، وشارك في القمة الإسلامية الأخيرة، وعرض وضع الطائفة التركية في قبرص المحرومة منذ عشرين سنة من هويتها وحقوقها السياسية والمحاصرة اقتصاديا والواقعة تحت ضغط الطائفة اليونانية. وقد لقي تفهما واسعا بين الدول الإسلامية التي اعتبرت وضع القبارصة الأتراك مشابها إلى حد بعيد لوضع الفلسطينيين.

ولا تزال جزيرة قبرص منطقة صراع، ترى تركيا أن الحل يكون في تكوين دولة فيدرالية تقوم على أساس مقاطعتين: تركية، ويونانية لكل منهما هويته الذاتية، بينما تصر الحكومة اليونانية على ضم قبرص إلى اليونان.

والواقع أن وضع قبرص سيبقى غير طبيعي ما دامت القوى الإسلامية القريبة منها ضعيفة ولا تستطيع التأثير في مجريات الأمور، فأهميتها الإستراتيجية تجعل مصلحة القوى العالمية في إبقاء الصراع في هذه المنطقة الحيوية بسبب قربها من أهم مواقع الصراع التاريخية في مصر والشام وآسيا الصغرى.

وتبقى الظاهرة الغريبة في تكوين هذه الجزيرة، فهي قريبة إلى بلاد الإسلام وبعيدة كل البعد عن اليونان، ولكنها تدير ظهرها للعالم الإسلامي رغم أنها جزء منه، وتتطلع أبدا إلى الغرب وهي ليست منه، فحل مشاكلها الحقيقية لا يكون إلا بوضعها الطبيعي كجزء من بلاد الإسلام، تماما كوضع لبنان وفلسطين.

(حاضر العالم الإسلامي: د.جميل المصري)

أضف تعليق

نص اتفاقية التعليق


كود امني
تحديث



المرئيات

الصوتيات

ألبوم الصور

تداعت عليكم الأمم